السيد نعمة الله الجزائري
228
الأنوار النعمانية
معهم وليكن ابعد رعيتك منك وأشنأهم عندك اطلبهم لمعائد الناس فان في الناس عيوبا الوالي أحق من سترها فلا تكشفن عما غاب عنك منها ، فإنما عليك تطهير ما ظهر لك واللّه يحكم على ما غاب عنك ، فاستر العورة ما استطعت يستر اللّه منك ما تحب ستره من رعيتك اطلق عن الناس عقدة كل حاقد واقطع عنك سبب كل وتر وتغاب عن كل ما لا يصح لك ، ولا تعجلن إلى تصديق ساع فان الساعي غاش وان تشبه بالناصحين ولا تدخلن في مشاويرك بخيلا يعدل بك عن الفضل ويعدك الفقر ولا جبانا يضعفك عن الأمور ، ولا حريصا يزين لك الشره بالجور فان البخل والجبن والحرص غرائز شتى يجمعها سوء الظن باللّه شر وزرائك من كان للأشرار قبلك وزيرا ومن شركهم في الآثام فلا يكونن لك بطانة فإنهم أعوان الأئمة واخوان الظلمة وأنت واحد منهم خير الخلف ممن له مثل آرائهم ونفادهم وليس عليه مثل آصارهم وأوزارهم ممن لم يعونوا ظالما على ظلمه ولا آثما على اثمه أولئك أخف عليك مؤنة وأحسن لك معونة وأحنا عليك عطفا وأقل غيرك ألفا فاتخذ أولئك خاصة من خلواتك وحفلاتك ثم ليكن أثرهم عندك أقولهم بمر الحق وأقلهم مساعدة فيما يكون منك مما كره اللّه لأوليائه واقعا ذلك من هواك حيث وقع وألصق بأهل الورغ والصدق ثم رضهم على أن لا يطروك ولا يبحجوك بباطل لم تفعله فان كثرة الإطراء تحدث الزهو وتدني من الغرة ولا يكونن المحسن والمسئ عندك بمنزلة سواء فانّ في ذلك تزييدا لأهل الإحسان في الإحسان وتدريبا لأهل الإساءة على الإساءة وألزم كلا منهم ما ألزم نفسه وأعلم انه ليس شيء بأدعى إلى حسن ظن وال ( راع خ ) برعيته من احسانه إليهم وتخفيفه المؤنات عنهم وترك استكراهه إياهم على ما ليس له قبلهم ، فليكن منك في ذلك أمر يجتمع لك به حسن الظن برعيتك فانّ حسن الظن يقطع عنك نصبا طويلا وان أحق من حسن ظنك به لمن حسن بلاؤك عنده وان أحق من ساء ظنك به لمن ساء بلاؤك عنده ولا تنقض سنة صالحة بها صدور هذه الأمة واجتمعت بها الألفة وصلحت عليها الرعية ولا تحدثن سنة بشيء يضر بشيء من ماضي تلك السنن فيكون الأجر لمن سنها والوزر عليك بما نقضت منها وأكثر مداومة العلماء ومناقشة الحكماء في تثبيت ما صلح عليه امر بلادك وإقامة ما استقام به الناس قبلك . واعلم أن الرعية طبقات لا يصلح بعضها الا ببعض ولا غنى لبعضها عن بعض فمنها جنود اللّه ومنها كتاب العامة والخاصة ومنها قضاة العدل ، ومنها عمال الأنصاف والرفق ، ومنها أهل الجزية والخراج من أهل الذمة ومسلمة الناس ومنها التجار وأهل الصناعات ومنها الطبقة السفلى من ذوي الحاجة والمسكنة وكل قد سمى اللّه سهمه ووضع على حده وفريضته في كتابه أو سنة نبيه عهدا منه عندنا محفوظا فالجنود بأذن اللّه حصون الرعية وزبن الولاة وعز الدين وسبل الأمن وليس تقوم الرعية الا بهم ثم لا قوام للجنود الا بما يخرج اللّه لهم من الخراج الذي يقوون به